قُرَّةُ العَينَينِ
فِي
النِّسبَةِ إِلَى البَحرَينِ
تأليف
أيوب بن رشدان
[المقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله المبجلين، وصحبه الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..
فذي رسالة وجيزة أبين فيها الصواب في النسبة إلى (البحرين)؛ بعد أن خضت مناقشة مع أستاذي في اللغة العربية -وأنا طالب في الصف الثاني الثانوي بالمعهد الديني- في أيها النسبة الصحيحة إلى (البحرين)؟! أهي (بحريني) أم (بحراني)؟! أستاذي يرى بأنها (بحريني) مماشاة مع أهل البحرين في النطق بها هكذا!! تاركا خلفه علماء أفذاذ هم أرباب العربية على مر العصور قالوا بأن النسبة الصحيحة إلى البحرين (بحراني)!! فلما أخذت برأيهم في نقاشي معه مستدلا عليه بما كان يدرسنا هو بنفسه من ألفية ابن مالك والتي نص شراحها على أن النسبة الصحيحة إلى (البحرين) على غير قياس هي: (بحراني) لم يقنع بما قلت!! طالبا مني أن أكتب له بحثا في المسألة يوفي المقصود ويحل الإشكال المعقود، فلبيت نداءه على أني طالب بين يديه، آخذ منه ومعترف بفضله علي متجرد فيما أكتب من الكبر عليه. ثم إن المسألة قد أخذت مني موضع الاهتمام حتى صرفتني عن غيرها بالغرام!! خصوصا وأنها تختص ببلدي (البحرين)، ولأنه قد تكرر السؤال عنها بعد أن شاع بين الناس أن النسبة الصحيحة إلى (البحرين) هي (بحريني) لا (بحراني)!! فرأيت من واجبي بعد كل ذلك أن أكتب هذه الرسالة التي - إن شاء الله تعالى- أوفت بالمقصود وأبرزت لمحب الحق الصواب من المردود، جمعت لك فيها أقوال العلماء المحققين من أشهر الكتب وأصحها عند المدققين بما يطيب خاطر القارئين وسميتها: (قرة العينين في النسبة إلى البحرين)، على أنها لن تخلو من درر وفوائد أخر رجوت بها المغفرة من الله والرضوان والله أسأل التوفيق وعوالي الجنان.
[فصل في التعريف بالبحرين]
أكتفي هاهنا بما قاله شيخ الأدباء ياقوت الحموي فيما ذكره في معجم البلدان [1/346،347] قال: "وقال صاحب الزيج: البحرين في الإقليم الثاني، وطولها أربع وسبعون درجة [وعشرون] دقيقة من المغرب، وعرضها أربع وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة؛ وقال قوم: هي من الإقليم الثالث وعرضها أربع وثلاثون درجة؛ وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان، قيل: هي قصبة هجر، وقيل: هجر قصبة البحرين، وقد عدها قوم من اليمن وجعلها آخرون قصبة برأسها. وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة، وربما عد بعضهم اليمامة من أعمالها، والصحيح أن اليمامة عمل برأسه في وسط الطريق بين مكة والبحرين".
قلت: وفي العصر الحديث قُصِرَ اسم البحرين على هذه البلدة التي هي عبارة عن عدة جزر -يحيطها بحر الخليج- أكبرها جزيرة البحرين، وتقع دولة البحرين على الساحل الشرقي للجزيرة العربية، لكن هذا لا يفصل هذه البلدة عن أمها وإقليمها الذي يعرفها أهل التاريخ قديما وحديثا، بل كل فضل لها فهو عائد على البحرين الأم، وكل فضل للبحرين الأم فهو عائد على هذه البلدة الطيبة. ومن الخير أن لا ندع الفواصل الأجنبية تؤثر على الحقائق وإلا فقدنا الكثير من أمجادنا. إن اللغة ليست ألعوبة لمتغيرات جغرافية الدول والبلدان التي تقوم على الأهواء وتداول العصور، بل تقوم على أسس وقواعد ثابتة لا تتغير بتغير العصور والأشخاص والأزمنة، يعرف ذلك كل من له بعض عناية ودراية بها فضلا عن علمائها؛ لذلك تجد النقل عن ياقوت يبين لك أن جغرافية البحرين مختلف فيها بين المؤرخين والجغرافيين!! ومع هذا فلم يؤثر ذلك في النسبة إلى البحرين على مر العصور!! بل لم يؤثر على قواعد العربية ككل، فظلت قواعد العربية ثابتة لا تغيرها المتغيرات الدخيلة مهما كان وقعها وحجمها، فيجب أن نعي ذلك جيدا.
[فصل: في أصل كلمة (البحرين)]
قال ياقوت الحموي فيما ذكره في معجم البلدان [1/347]: "وقال أبو بكر محمد بن القاسم: في اشتقاق البحرين وجهان: يجوز أن يكون مأخوذا من قول العرب بحرت الناقة إذا شققت أذنها ، والبحيرة : المشقوقة الأذن من قول الله تعالى: {ما جعلَ اللهُ منْ بَحِيْرَةٍ ولا سَائِبَةٍ ولا وَصِيلَةٍ ولا حَامٍ}؛.....؛ قال: ويجوز أن يكون البحرين من قول العرب: قد بَحِرَ البعير بحرا إذا أُولِعَ بالماء فأصابه منه داء، ويقال: قد أبحرت الروضة إبحارا إذا كثر إنقاع الماء فيها فأنبت النبات، ويقال للروضة: البحرة، ويقال للدم الذي ليست فيه صفرة: دم باحري وبحراني؛ قلت -أي ياقوت الحموي-: هذا كله تعسف لا يشبه أن يكون اشتقاقا للبحرين، والصحيح عندنا ما ذكره أبو منصور الأزهري، قال: إنما سموا البحرين لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء، وقرى هجر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ، قال: وقدرت هذه البحيرة ثلاثة أميال في مثلها، ولا يفيض ماؤها، وماؤها راكد زعاق،...". انتهى.
وقال السيد مرتضى الزبيدي في تاج العروس [ 3/30 ] بخصوص هذا الموضوع ما نصه: "(والبحرين) بالتحتية كذا في أصول القاموس وغيرهما من الدواوين وفي المصباح واللسان بالألف على صيغة المثنى المرفوع (د)[1] بين البصرة وعمان وهو من بلاد نجد ويعرب إعراب المثنى، ويجوز أن تجعل النون محل الإعراب مع لزوم الياء مطلقا وهي لغة مشهورة، واقتصر عليه الأزهري لأنه صار علما مفرد الدلالة فأشبه المفردات كذا في المصباح...". انتهى.
فمما سبق يتبين لك الخلاف في أصل وضع هذا الاسم على هذه البلدة، والذي يعنينا من هذا الخلاف هو معرفة هل هذا الاسم وضع على التثنية من غير سبب لكن أريد به الإفراد فبني في أصله أم هو موضوع على التثنية فهو معرب؟ وإذا كان معربا فهل ما زال معربا مطلقا أم أنه في أصله معربا ثم بني بعد ذلك لأنه صار علما مفرد الدلالة فأشبه المفردات كما ذهب إليه الأزهري؟ الذي يظهر من كلامهم ويرجح هو هذا الأخير، فالبحرين إنما وضعت على التثنية في الأصل وإن كان هناك خلاف في سبب تثنيتها أهو لوقوعها بين بحرين أم لوجودها بين بحر وبحيرة أم بين بحر وعيون أم غير ذلك؟!! فليس قول القائل بأنها لم توضع على شيء بوجيه، فهي في أصل وضعها قد وضعت على التثنية كما تناقله العلماء في كتبهم لكنها بنيت بعد ذلك فجعلت كالعلم المفرد الذي يعرب بالحركات على نونها ولم تعرب بالحروف كما هو إعراب المثنى، ولذلك تجدهم لا يرفعونها بالألف كما هو المثنى فلا يقولون (البحران)، وهذا ما سيأتيك بيانه في الفصول القادمة.
[فصل: في كيفية النسبة إلى المثنى]
وقبل أن نتعرف على النسبة الصحيحة إلى البحرين أود أن نوضح كيفية النسبة إلى المثنى كون البحرين تشتبه بالمثنى في أصل الوضع كما بيناه من قبل، فلعل قائلا يقول: فكيف تكون النسبة إليها على اعتبارها مثنى؟! علها تكون النسبة الصحيحة!! فنقول:
قال ابن مالك في ألفيته:
وعَلَم التَّثْنيةِ احْذِفْ في النَّسبْ ومِثْلُ ذا في جمعِ تصحيحٍ وَجَبْ
قال ابن عقيل في شرحه [4/158]: "يحذف من المنسوب إليه [ما فيه من] علامة تثنية، أو جمع تصحيح. فإذا سميت رجلا (زيدان) -وأعربته بالألف رفعا، وبالياء جرا ونصبا- قلت: (زيدي) وتقول فيمن اسمه: (زيدون) -إذا أعربته بالحروف-: (زيدي) وفيمن اسمه (هندات): (هندي)".اهـ
وفي أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك قال ابن هشام [4/333]: "الخامس والسادس: علامة التثنية وعلامة جمع تصحيح المذكر، فتقول في (زيدان) و(زيدون) -علمين معربين بالحروف-: (زيدي)، فأما قبل التسمية فإنما ينسب إلى مفردهما،...".اهـ
وقال الأشموني في شرحه على ألفية ابن مالك [4/183]: "فتقول في النسب إلى (مسلمين) و(مسلمين) و(مسلمات): (مسلمي)، وفي النسب إلى (تمرات): (تـمْري) بالإسكان، وحكم ما سمي به من ذلك على لغة الحكاية كذلك، وعلى هذا يقال في النسب إلى (نصيبين): (نصيبي)، وإلى (عرفات): (عرفي)...".اهـ
وقال ابن الناظم في شرحه على ألفية ابن مالك [ ص 316 ]: "يحذف من المنسوب ما فيه علامة تثنية أو جمع تصحيح فيقال فيمن اسمه (زيدان) ـ معربا بالحروف ـ: (زيدي)، ومن أجراه مجرى (حمداني) قال: (زيداني)...".اهـ
فدلت هذه النصوص على أن النسبة إلى الاسم المثنى تكون بحذف علامة التثنية منه، فقياس النسبة إلى (البحرين): (بحري) بحذف علامة التثنية، إلا أنه ترك خوفا من أن يشتبه بالنسبة إلى (البحر)، لأن النسبة إلى (البحر): (بحري)، فتركوا القياس وذهبوا إلى السماع كما سيأتي.
[فصل: في بيان السماعي من النسبة]
عرفنا فيما مضى أن القياس في النسبة إلى المثنى يكون بحذف علامة التثنية، ولكن ليس ذلك مضطردا، لأن مما تقرر عند علماء العربية أن السماع مقدم على القياس، وإنما يقاس في غير مسموع، أما المسموع وهو المعبر عنه بالشاذ فيحفظ ولا يقاس عليه، بل ولا يغير باجتهاد. ولقد وضع علماء العربية بابا خاصا أفردوه للشاذ من النسب ليحفظ، وإليك ما نص عليه أئمة العربية:
قال سيبويه في الكتاب [3/335،336]: "فمنه ما يجئ على غير قياس، ومنه ما يعدل وهو القياس الجاري في كلامهم، وستراه -إن شاء الله-. قال الخليل: كل شئ من ذلك عَدَّلَـتْـهُ العرب تركته على ما عَدَّلَـتْـهُ عليه، وما جاء تامًّا لم تُحْدِث العرب فيه شيئًا فهو على القياس".اهـ
قال ابن مالك في ألفيته:
وغَيْرَ ما أسلَفْتُهُ مُقَرَّرًا على الذي يُنْقَلُ منه اقْتَصِرَا
قال ابن عقيل في شرحه [4/169]: "أي: ما جاء من المنسوب مخالفا لما سبق تقريره فهو من شواذ النسب، يحفظ ولا يقاس عليه، كقولهم في النسب إلى (البصرة): (بِصْرِيّ)، وإلى (الدَّهر): (دُهْريّ)، وإلى (مَرْو): (مَرْوَزِيّ)".اهـ
وقال ابن هشام في أوضح المسالك [4/486]: "((فصل فيما خرج عما قُرِّرَ في هذا الباب)) وما خرج عما قررناه في هذا الباب فشاذ كقولهم: (أَمَويّ) بالفتح، و (بِصْريّ) بالكسر، و(دُهْريّ) -للشيخ الكبير- بالضم، و(مَرْوَزِيّ) بزيادة الزاي، و(بدويّ)[2] بحذف الألف، و(جلولي)، و(حروري)[3] بحذف الألف والهمزة".اهـ
فإذا علمت السماعي وأنه ليس كالقياس وإنما يحفظ ولا يقاس عليه فاعلم أن النسبة إلى البحرين هي من هذا القبيل كما ستعرفه في الباب القادم.
[فصل: في النسبة إلى البحرين]
قال سيبويه في الكتاب [3/335،336] ناقلا عن الخليل قوله: "فمن المعدول الذي هو على غير قياس قولهم في (هذيل): (هذليّ)...، وفي (دَسْتَواء): (دَسْتَوانيّ) مثل (بَحرانيّ)". وقال أيضا في موضع آخر من الكتاب [3/338]: "ومنهم من يقول: (تهاميّ) و (يمانيّ) و (شآميّ)، فهذا كـ(بَحرانيّ) وأشباهه مما غُيِّرَ بناؤه في الإضافة...".اهـ
وقال الفيروزآبادي في القاموس المحيط [1/382]: "و(البحرين) (د)، والنسبة (بَحريّ)[4] و(بَحرانيّ) أو كُرِهَ (بحري) لئلاَّ يَشْتبه بالمنسوب إلى (البحر)...".اهـ
وقال أبو بكر الزبيدي الإشبيلي في كتابه الواضح [ ص 244 ] بعد أن بوب في [ ص 243 ] بـ(باب ما شذ من النسب)، ما نصه: "وربما فرقوا بين النسب بين الشيئين، فتركوا القياس للفرق، كقولهم في رجل نسب إلى (البحرين): (بحراني)، والقياس (بَحريّ)، ولكنهم كرهوا أن يشتبه بمن نسب إلى (البحر)".اهـ
وقال العلامة السيد مرتضى الزبيدي في التاج [3/30]: "والنسبة (بحري) و (بحراني) أو كره (بحري) لئلا يشتبه بالمنسوب إلى (البحر)". ثم قال ـ من نفس الكتاب في نفس الصفحة –ناقلا عن سيبويه ما نصه: "تقول في (بهراء): (بهراني)، وفي (صنعاء): (صنعاني)، كما تقول (بَحراني) في النسب إلى (البحرين) التي هي مدينة...".
[فصل]
ذكر الإمام ابن منظور في لسان العرب [1/324] ناقلا عن ابن سيده ما نصه: "قال: والنسب إلى (البحر): (بحراني) على غير قياس. قال سيبويه: قال الخليل: كأنهم بنوا الاسم على فعلان."انتهى المراد.
قلت: هذا الكلام وجدته قد ذكر هكذا في بعض كتب اللغة! والجواب عنه ذكره الإمام ابن منظور في لسان العرب [1/324] -بعد هذا الكلام بقليل- فيما نقله عن السُّهيلي في رده على ابن سيده بما قاله في كتابه، فقال: "قال السُّهيلي -رحمه الله تعالى-: زعم ابن سيده في كتاب المحكم أن العرب تنسب إلى (البحر): (بحراني) على غير قياس! وإنه من شواذ النسب! ونسب هذا القول إلى سيبويه والخليل رحمهما الله تعالى!! وما قاله سيبويه قط، وإنما قال في شواذ النسب: تقول في (بهراء): (بهراني)، وفي (صنعاء): (صنعاني)، كما تقول: (بحراني) في النسب إلى (البحرين) التي هي مدينة، قال: وعلى هذا تلقاه جميع النحاة وتأولوه من كلام سيبويه...". إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
قلت: وهذا كلام يرفع الإشكال الحاصل في كلام ابن سيده، فسيبويه لم يقصد النسبة إلى (البحر) قط، وإنما قصد النسبة إلى (البحرين). أما عن ابن سيده وما وضعه في كتابه فقد قال عنه السُّهيلي أيضا بعد هذا الكلام فيما نقله ابن منظور عنه ما نصه: "وما زال ابن سيده يعثر في هذا الكتاب وغيره عثرات يَدْمى منها الأَظَل، ويَدْحَضُ دحضات تخرجه إلى سبيل من ضل،..."انتهى.
إذا فلا اعتبار بما قاله ابن سيده في هذه المسألة، فلا إشكال وقد وضح المراد، والحمد لله.
[فصل:فيما جرى بين الكسائي واليزيدي مؤيد لما ذكرنا]
قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه مجالس العلماء [ص 220]: "حدثنا أبو عبد الله اليزيدي قال: أخبرني عمي الفضل بن محمد عن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي، قال: كنا ببلد مع المهدي في شهر رمضان -قبل أن يستخلف بأربعة أشهر-، فتذاكروا ليلة عنده النحو والعربية، وكنت متصلا بخاله يزيد بن منصور، والكسائي مع ولد الحسن الحاجب، فبعث إلي وإلى الكسائي فصرت إلى الدار، وإذا الكسائي بالباب قد سبقني، فقال: أعوذ بالله من شرك يا أبا محمد. فقلت: والله لا تؤتَى من قِبَلِي أو أُوتَى من قبلك. فلما دخلنا على المهدي أقبل عليَّ فقال: كيف نسبوا إلى (البحرين) فقالوا : (بحراني)، أو إلى (الحِصنين) فقالوا: (حِصني)؟ فقلت: أيها الأمير، لو قالوا في النسب إلى (البحرين): (بحري) لالْتبسَ فلمْ يُدْرَ: ألنِّسبةُ إلى (البحرين) وقعت أم إلى (البحر)، فزادوا ألفًا ونونًا للفرق بينهما، كما قالوا في النسب إلى (الرُّوح): (روحاني). ولم يكن للـ(حصنين) شئ يلتبس به فقالوا: (حصني) على القياس. فسمعت الكسائي يقول لعمر بن بَزيع: لو سألني الأمير لأجبته بأحسن من هذه العلة. فقلت: أصلح الله الأمير، إن هذا يزعم أنك لو سألته لأجابك بأحسن من جوابي. فقال: قد سألتُهُ. فقال: أصلح الله الأمير، كَرِهوا أن يقولوا (حصناني) فيجمعوا بين نونين، ولم يكن في (البحرين) إلا نون واحدة فقالوا: (بحراني) لذلك!! فقلت: فكيف تنسب إلى رجل من بني (جِنَّان)؟ إن لزمت قياسك قلتَ: (جِنِّي) فجمعت بينه وبين المنسوب إلى (الجِن)، وإن قلتَ: (جِنَّاني) رجعت عن قياسك وجمعت بين ثلاث نونات...".[5]
[فائدة]
قال ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة [ص83-84]: "حدثنا الحسن بن محبوب، ثنا الفيض بن إسحاق قال: قال فضيل بن عياض: قال إبراهيم التيمي: (إن حبسني فهو أهون علي، ولكن أخاف أن يبتليني فلا أدري على ما أكون عليه) قال فضيل: يخاف أن يفتنه، قال إبراهيم: فحبسني! فدخلت على اثنين في قيد واحد في مكان ضيق لا يجد الرجل إلا موضع مجلسه!! فيه يأكلون وفيه يتغوطون وفيه يصلون!! قال: فجيء برجل من أهل البحرين فأدخل علينا فلم يجد مكانا، فجعلوا يترامون به!! فقال: اصبروا فإنما هي الليلة!!، فلما كان الليل قام يصلي فقال: يا رب مننت عليَّ بدينك، وعلمتني كتابك ثم سلطت عليَّ شر خلقك، يا رب الليلة الليلة لا أصبح فيه!! فما أصبحنا حتى ضرب أبواب السجن: أين البحراني؟ فقلنا: ما دعـا به الساعة إلا ليقتل، فخلى سبيلـه!! فجـاء فقام على الباب فسلم علينا وقال: أطيعوا الله لا يعصكم!".اهـ
[فصل في بعض من نسب إلى البحرين]
وممن نُسِب إلى البحرين جماعة من العلماء منهم:
1. محمد بن مَعْمَر بن ربعي القيسي أبو عبد الله البصري المعروف بالبحراني.[6]
روى عن: روح بن عبادة، وأبي هشام المخزومي، ومحمد بن بكر البرساني، وأبي عامر العقدي، وأبي عاصم، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي ومحمد بن كثير العبدي وغيرهم.
روى عنه: الجماعة، وأحمد بن منصور الرمادي، وابن أبي عاصم، وأبو حاتم، والبزار، وابن ناجية، وإبراهيم بن أبي طالب، وابن خزيمة، وزكريا الساجي وغيرهم.
2. عباس بن يزيد بن أبي حبيب البحراني أبو الفضل البصري لقبه عَبَّاسوَيْه، ويُعرَف بالعبدي، كان قاضي همدان.[7]
روى عن: زياد بن عبد الله البكائي، وغندر، ووكيع، وابن عيينة، وابن علية، وبشر بن المفضل، ويزيد بن زريع، ويحيى القطان، وعبد الله بن إدريس، وأبي عامر العقدي وخلق.
وعنه: ابن ماجه، وإبراهيم بن أورمة ، وابن أبي الدنيا ، والهيثم بن خلف الدوري ، وابن صاعد، وعلي بن أحمد بن سعيد، وإسماعيل بن العبـاس الوراق،
وابن أبي حاتم وغيرهم.
ومنهم أيضا:
3ـ هارون بن أحمد بن داود البحراني.
4ـ علي بن مقرب بن منصور البحراني.
5ـ داود بن غسان بن عيسى البحراني.
وغيرهم.
[مسألة]
قال حمد الجاسر في المعجم الجغرافي [ 1 / 206 ]: "ولا تزال كلمة (البحراني) التي هي في الأصل نسبة إلى (البحرين) مستعملة، ولكنها لا يقصد بها معناها الصحيح، بل تطلق ـ في تلك الجهةـ على الشِّيعي، بصفة عامة، وسبب ذلك يرجع إلى كون كثير من سكان تلك الجهة منذ عهد قديم من الشِّيعة،...".اهـ
قلت: وهذا كلام صحيح، ولكن يجب أن لا تقتصر النسبة الصحيحة إلى البحرين أو إلى أي بلد آخر على فرقة من الفرق الدينية أو غيرها كما يفعل أهل البحرين اليوم بأن نسبوا أهل السنة والجماعة من أهل البحرين إلى البحرين على الوجه الخطأ فقالوا : (بحريني)، ونسبوا الشِّيعة من أهل البحرين إلى البحرين على الوجه الصحيح فقالوا: (بحراني)!؟ وكل ذلك ليفرِّقوا بين السنة والشيعة!! وهذا أمر غريب عجيب! فكيف نترك النسبة الصحيحة من أجل ذلك؟! والصواب أننا إذا أردنا أن نفرق فلننسب من ينتسب إلى الشيعة إلى مسماه الذي ارتضاه فنقل: شيعي أو إمامي أو غيرها من النسب المذهبية، كما ننسب من ينتسب إلى السنة من أهل البحرين فنقول له: سني، ولنترك النسبة الصحيحة إلى البحرين تتناول أهل البحرين جميعا دون النظر إلى مذاهبهم وانتماءاتهم لأن البحرين ليست حِكْراً على أحد فينسب إليها وحده دون غيره.
[خاتمة]
وبعد كل ذلك عُلم أن النسبة الصحيحة إلى (البحرين) هي: (بحراني)، فلا تَنْسِبَن إلى البحرين على غير ذلك فتقول: (بحريني) كما يفعله أهل البحرين اليوم! فهذا مما ليس له دليل، فالحقُّ فيما قاله الأئمة الأعلام، أئمة اللغة العربية كسيبويه وابن مالك وابن عقيل وابن هشام وغيرهم من العلماء.
ولا يسعني بعد ذلك إلا أن أصلي وأسلم على الحبيب الهادي وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين إلى يوم التنادي، والسلام على المسلمين والمسلمات حضرا وبوادي.
كتبه الفقير إلى رحمة ربه الرحمن
أيوب بن عيسى بن رشدان
"تمَّ بعونِ الله تعالى في يوم الأحد 1 رجب 1420 هـ"
"تم تعديله في يوم الاثنين
17 جمادى الآخرة 1428هـ الموافق 2/7/2007م"
[1]. أي مدينة، وكذا نص سيبويه كما سيأتيك في ص5 من الرسالة من كلام الزبيدي ناقلا عنه قوله: "كما تقول (بَحرانيّ) في النسب إلى (البحرين) التي هي مدينة" والله أعلم.
[2]. فالأصل في نسبتها: (بداوي) من بداوة.
[3]. أصلهما (جلولاء) و(حروراء) موضعان، فكان أصل النسبة إليهما أن يقال: (جلولائي) و(حرورائي) لكن عدل عنهما.
[4]. ذكره النسبة إلى البحرين على (بحري) لينبهك على القياس الذي عدل عنه إلى السماع الصحيح وهو (بحراني)، لا أن تأخذ به! وسيأتيك بيان ذلك من بقية النقول فتنبه له.
[5]. وممن ذكر هذه القصة أيضا الزجاجي في الأمالي [ص40-41]، والسيوطي في الأشباه والنظائر في النحو [5/39-40]، والزبيدي في تاج العروس [3/30]، وياقوت الحموي في معجم البلدان [1/347] وغيرهم.
[6]. راجع ترجمته في تهذيب التهذيب للإمام ابن حجر [5/278].
[7]. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر [3/85-86].
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق