جمعة مباركة
قد ورد عن البعض أن قول (جمعة مباركة) هو
قول مبتدع ولا يجوز لكونه لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن السلف،
فهل هذا الكلام صحيح؟ وما حكم قول (جمعة مباركة)؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على
سيدنا رسول الله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد..
إن تبديع وتخطيء من يبارك ويهنئ المسلمين في
يوم الجمعة بقوله (جمعة مباركة) هو البدعة الخاطئة، والصواب أنه فعل لا بأس به وهو
بدعة حسنة إن لم يدَّعِ قائله أن فيه نصا.. فإن الأصل البقاء على الأصل، والأصل
جواز تهنئة المسلمين بما يسرهم حتى ولو لَمْ يَرِدْ عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم فِعْلُه فإنه أيضًا لَمْ يَرِدْ نهيه عن ذلك، بل قد اتفق الناس على تهنئة
بعضهم بعضًا حينما يحصل أحدهم على شهادته الجامعية مثلا أو وظيفة جديدة أو منصب
مرموق أو غير ذلك مما لم يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه هنأ غيره به. ولا
قائل بأن تهنئة هؤلاء بدعة إلا من يتألى على الله ورسوله ويتشدد في الدين حتى
يغلبه الدين!!
وإذا كان مثل هؤلاء ممن يفوز بحظ دنيوي
كشهادة أو وظيفة لا يصح لعاقل أن يمنع تهنئتهم باسم الدين فمن باب أولى أن يمسك
العاقل لسانه عمن يهنئ عباد الله بطاعتهم مولاهم في هذا اليوم العظيم الذي فيه
فلاح أخراهم إن قاموا فيه بما أوجب عليهم فيه والذي قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيه: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا
.."!!
وهل تكون التهنئة يوم العيد بدعة؟! وإذا
فرضنا أن التهنئة يوم العيد بدعة فمتى تكون التهنئة إذن؟!
ثم ليعلم أن كلمة (بدعة) تطلق على ما
استحدثه الناس بعد زمن التشريع وهي ليست حكمًا شرعيًا، إذ الأحكام الشرعية خمسة
كما هي معلومة (الواجب، المسنون، الحرام، المكروه، الحلال) ولا يوجد حكم شرعي اسمه
(البدعة)!
فإذا علمت ذلك علمت أن هذه الكلمة (أعني
البدعة) وصفٌ يطلق على الشيء المستحدث وليست حكمًا، وعليه فإن الشيء المستحدث
يحتاج إلى حكم من الأحكام الخمسة لأن كلمة بدعة لم تفد شيئا بنفسها، وهنا نقول ليس
كل مستحدث يأخذ حكم الحرمة أو الكراهة كما يوهمه البعض لأن هذا فيه تألّ على الله
عز وجل؛ إذ كيف يقال بأن هذا حرام (أي أن الله حرمه) ولا يملك القائل دليلا شرعيا
على حرمته سوى أنه لم يرد؟!!
ثم لِمَ لَمْ يقل عنه بأنه واجب؟! أو جائز؟!
أو مكروه؟!
وكلها أحكام محتملة، إذ سكت الشارع عنها
جميعها ولم ينصص على واحدة منها كحكم على هذا الحادث، وما طرأ عليه الاحتمال سقط
به الاستدلال.
لذلك نجد الفقيه هنا يبحث أولاً عن هذا المستحدث
وينظر هل يوافق في مجمله شرع الله ويدخل ضمنه أم لا؟
فإن وجده داخلا فيه، نظر فإن كان في معطياته
كالواجب أعطاه حكم الواجب أو أقل قال عنه سنة أو خارجا عنه كالحرام فهو حرام أو
أقل فهو مكروه فإن استوى طرفاه فهو حلال، وهو في جميع هذه الأحوال بدعة لأنه لم
يرد حكمه صريحا عن الشارع ولأنه أمر مستحدث بعد انقطاع الوحي.
نعم، هناك من العلماء من اصطلح على إطلاق
البدعة على الحادث المحرم أو المكروه إلا أنهم لم يجعلوا هذا الإطلاق لمجرد أن
الشيء مستحدث فهو حرام أو مكروه ولكنهم أيضاً يبحثون في هذا الأمر الحادث فإن وجدوه
كالحرام أو كالمكروه اكتفوا بوصمه بالبدعة وإذا رأوه أقرب إلى الواجب أو المسنون
أو المباح قاسوه عليهم وجعلوه من باب إحياء سنة حسنة بحسبها، فهم إذن يطلقون على
الحادث المحرم أو المكروه أنه بدعة لكن ليس لكونه فقط حادثا بل لأن ملحظهم فيه
مشابهة هذا الأمر الحادث للحرام أو المكروه لا لمجرد كونه حادثا فتنبه، فالفرق
بينهم وبين من يجعل كل حادث بدعة محرمة لكونه حادثا فقط فرق واضح شاسع لا يخفى.
نعم، إحداث شيء في العبادات بمجرده يكون
بدعة حراما عند الجميع لأن العبادة نصية توقيفية فلا يجتهد فيها بخلاف مطلق
الطاعات والمعاملات وما توسع فيه الشارع.
نعود فنقول: إن قول القائل: (جمعة مباركة)
مبتدأ وخبر، والجملة خبرية لكن أريد بها الإنشاء وهو هنا الدعاء بمعنى أنك تقصد
الدعاء للمقول له، كأنك تقول له: (بارك الله في جمعتك)، ونظير ذلك قول الناس
والعلماء سلفا وخلفا (رحم الله فلانا) ومعناه (اللهم ارحم فلانا).
فإذا بان ذلك فإن الفقيه ينظر إلى هذا
المعنى فيرى أن هذه الجملة في يوم الجمعة لا تخرج عن شرعنا الحنيف إذا أطلقت لأنه
دعاء والدعاء مستحب مطلقا فيكون الدعاء للمسلمين في هذا اليوم بهذا الدعاء وغيره
ليس به بأس بل مستحب، وله دليل من الحديث المروي في الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ،
فَقَالَ: "فِيهِ سَاعَةٌ، لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ
يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ"
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "يا يزيد بن أسد: أتحب الجنة" فقال
نعم، قال: "فأحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك" رواه الحاكم في المستدرك
وصححه الذهبي ورواه البيهقي في السنن الكبرى وغيرهما. ولحديث الموطأ أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله
الله عيدا .." ومعلوم أن العيد يستحب فيه تهنئة الناس بعضهم البعض؛ فإذن ولكل
ما سبق فإن تهنئة المسلمين بعضهم البعض في يوم الجمعة بقولهم: (جمعة مباركة) بدعة
حسنة.
ونظير هذا ما استحدثه الناس بعد التشريع
-على سبيل المثال- جمع القرآن فإنه بدعة محدثة وإن فعله عثمان رضي الله عنه وأبو
بكر من قبله، فإنه وعلى جلالتهم في الإسلام إلا أنهم ليسوا بمشرّعين، لكن لما لاحظ
عثمان وقبله عمر حينما أشار على أبي بكر بجمع القرآن فأبى حتى راجعه فانشرح صدره،
أقول: لما لاحظوا المصالح في ذلك غلبوا فعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه
وسلم لأنه من المصلحة في الدين وفي نفس الوقت لا يخالف نصا للشارع صريحا لا أنهم
اعتقدوا في أنفسهم درجة المشرع والعياذ بالله، حاشاهم وهم العدول رضوان الله عليهم
أجمعين، فاجتمعوا على جمع القرآن الكريم بأمر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وكان فعلهم هذا بدعة حسنة صار لنا نبراسا وقدوة ومنهاجا نحكم به على كل محدث
لا يخرج في عمومه عن مشكاة الدين.
ولا يشغب علينا مشغب بقوله صلى الله عليه
وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"
لأن هذا الحديث ينطبق على المنكر الخارج عن
الدين لا المعروف الداخل في الدين كالدعاء وغيره؛ لأنه قيد المحدث المذموم بقوله:
"ما ليس منه"، والدعاء للناس بقولنا لهم: (جمعة مباركة) في يوم الجمعة
الذي هو عيد من أعياد المسلمين منه، وقد تقدم توضيحنا لهذا الأمر.
والخلاصة: أن التهنئة ب(جمعة مباركة) بدعة
حسنة لا بأس بها، لكن لا يدعي قائلها بأنها من رسول الله واردة نصا.. وهو ما لا
يعتقده الناس بل جرت على ألسنتهم من باب العرف والعادة..
ثم هي لا تصل إلى درجة هذا التعنيف من هذا
الشيخ وغيره، ومن قال بحرمة ذلك فهو مخطىء متسرع متشدد متعنت ونخاف أنه متأل على
الله ورسوله ومتقول عليهما شيئا لم يقولاه وقد قال المولى سبحانه وتعالى: {ولا
تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين
يفترون على الله الكذب لا يفلحون*متاع قليل ولهم عذاب أليم}، والكلام يطول وفيما
ذكرناه الكفاية والله الموفق والهادي للهداية، وهو أعلم.
كتبه
أيوب بن رشدان
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ ونفع بعلمكم ونصر بكم سنة خير المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وهدى الله اخواننا المتشددين المُبَدِّعين للحق المبين
ردحذف