الخميس، 25 نوفمبر 2021

فَتحُ الصَّمَدِ فِي تَفسِيرِ سُورَةِ المَسَدِ

فَتحُ الصَّمَدِ

فِي

تَفسِيرِ سُورَةِ المَسَدِ

 

تأليف

أيوب بن رشدان



[المقدمة]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المولى الذي حُقَّ له الحمد أزلا، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد صاحب المقامات العلى، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ما حل الظلام وانجلى، وبعد..

فلما أن كتبت رسالة جوابا لسؤال وردني حول إعراب قوله تعالى من سورة المسد: {وامرأته حمالة الحطب} -وقد سميتها: "نهاية الأرب في إعراب قوله تعالى: {وامرأته حمالة الحطب}"- رأيت من المناسب جدا أن أكتب تفسيرا مختصرا لسورة المسد أستعرض فيه تفسير كل كلمة بنقل جميع ما قيل فيها عند المفسرين مما وقع في يدي من تفاسيرهم من دون ترجيح أو عزو؛ كي يسهل على العامة قراءته والاستفادة منه. وقد عرضته في غالبه على نقاط وأضفت له مجموعة من الفوائد التي تسر الناظر إن شاء الله تعالى، فجاء هذا التفسير فتحا من الله عز وجل ناسب أن نسميه: "فتح الصمد في تفسير سورة المسد". ثم إنك تعلم أيها القارئ الكريم أنه ليس شيء يكمل غير وجه ربنا الكريم؛ لذا فاعلم أني بذلت ما في وسعي وتحريت الدقة في النقل عن أئمتنا فإن رأيت أني قصرت فهذا عذري أقدمه بين يديك، وإن رأيتها مليحة حسنة فذاك فضل الله يؤتيه من يشاء، فادع لي واستغفر فإني أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياك بها ولي ولك يغفر، والحمد لله رب العالمين.

[في تفسير السورة]

[في مكان نزولها وعدد آيها وأسمائها وفي سبب نزولها]:

سورة المسد سورة مكية عدد آياتها خمس آيات، وتسمى بسورة المسد وتسمى أيضا بسورة أبي لهب، وقد اختلف في سبب نزولها على أقوال منها:

1.    أنه لما نزل قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصفا فصعد عليها ثم نادى: يا صباحاه([1])! فاجتمع الناس إليه، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟ قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟! فأنزل الله تعالى السورة.

2.    أن أبا لهب أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ماذا أعطى إن آمنت بك يا محمد؟ قال: ما يعطى المسلمون. قال: مالي عليهم فضل؟ قال: وأي شيء تبتغي؟ قال: تبا لهذا من دين أن أكون أنا وهؤلاء سواء، فأنزل الله عز وجل فيه السورة.

3.    أنه كان إذا وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفد انطلق إليهم أبو لهب، فيسألونه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون أنت أعلم به، فيقول لهم أبو لهب: إنه كذاب ساحر، فيرجعون عنه ولا يلقونه، فأتاه وفد ففعل معهم مثل ذلك، فقالوا: لا ننصرف حتى نراه ونسمع كلامه، فقال أبو لهب: إنا لم نزل نعالجه من الجنون فتبا له وتعسا. فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاكتأب له، فأنزل الله تعالى السورة.

فهذه ثلاثة أقوال في سبب النزول، والآن نشرع في تفسير الكلمات.

قالوا في تأويل قوله تعالى: {تبت}:

1.    خابت.

2.    ضلت.

3.    هلكت.

4.    صفِرت.

5.    خسرت.

6.    غلبت.

وكلها معان متقاربة كما قال أبو حيان في تفسيره، والترجيح بين هذه المعاني سواء في هذه الآية أو في السورة كلها تجده بين الأئمة كل بحسب نظرته إلى المعنى الأدق، وسنجري على هذا المنوال في جميع السورة.

قالوا في تأويل قوله تعالى: {يدا}:

1.    نفس أبي لهب، لأنه يعبر عن النفس باليد كما قال تعالى: {ذلك بما قدمت يداك}.

2.    عمل أبي لهب، فنسب العمل إلى اليد لأنه في الأكثر يكون بها.

3.    أي دينه ودنياه وعاقبته وعقباه.

4.    اليد حقيقة وفيه وجوه:

أ‌.    لأن أبا لهب كان يضرب بيده على كتف الوافد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول له: انصرف راشدا فإنه مجنون، فلذلك نزلت فيه:{تبت يدا..}.

ب‌.     يروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو قومه وأبو لهب يرميه بحجر حتى أدمى قدميه وهو يقول: لا تطيعوه فإنه كذاب، فنزلت فيه الآية.

ت‌.     روي أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا أومن بك حتى يؤمن بك هذا الجدي، فقال عليه الصلاة والسلام للجدي: "من أنا؟" فقال: رسول الله، وأطلق لسانه يثني عليه، فاستولى الحسد على أبي لهب، فأخذ يدي الجدي ومزقه وقال: تبا لك أثر فيك السحر، فقال الجدي: بل تبا لك، فنزلت السورة لتمزيقه يد الجدي.

ث‌.     يروى أن أبا لهب كان يقول: يعدني محمد أشياء لا أرى أنها كائنة، يزعم أنها بعد الموت! فلم يضع في يدي من ذلك شيئا، ثم ينفخ في يديه ويقول: تبا لكما ما أرى فيكما شيئا، فنزلت السورة.

فالأقوال الثلاثة الأُوَل في معنى اليد إنما أتت باعتبار أن إطلاق اليد هنا من باب المجاز، والقائلون بالمجاز قد اختلفوا كما ترى في تحديد معناه المراد. أما القول الرابع فأتى باعتبار أن إطلاق اليد إنما هو حقيقة على اليد التي نعرفها وهؤلاء اختلفوا أيضا في تحديد الواقعة التي من أجلها أطلقت اليد في الآية.

قالوا في تأويل قوله تعالى: {أبي لهب}:

اسم أبي لهب عبدالعزى بن عبدالمطلب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قيل كني أبو لهب لحسنه وإشراق وجهه وتلهب وجنته.

*واختُلف في سبب ذكر الله له بكنيته دون اسمه فقالوا:

1.    لأنه كان بكنيته أشهر منه باسمه.

2.    لأنه كان اسمه عبدالعزى، والعزى: صنم، ولم يضف الله في كتابه العبودية إلى صنم.

3.    لأن الاسم أشرف من الكنية، فحطه الله عز وجل عن الأشرف إلى الأنقص، إذ الكنية إشارة إليه باسم غيره، ولذلك دعا الله أنبياءه بأسمائهم.

4.    لأنه لما كان من أهل النار ومآله إلى ذات لهب وافقت حاله كنيته، فكان جديرا بأن يذكر بها.

5.    لأن اسمه في الحقيقة "أبو لهب" فناداه به.

6.    كناه بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما فيجوز أنه ذكره بذلك دون اسمه تهكما به واحتقارا له.

*مسألة مهمة:

فإن قيل كيف يشافه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمه بهذا التغليظ الشديد مع أنه نبي الرحمة وصاحب الخلق العظيم؟! كيف يفعل ذلك بعمه وسيدنا إبراهيم عليه السلام مع أن أباه يخاطبه بالتغليظ الشديد حيث يقول له: {لأرجمنك واهجرني مليا} فإنه يخاطب أباه ويرد عليه بالشفقة فيقول: {سلام عليك سأستغفر لك ربي}؟! بل أرسل الله نبيه موسى إلى فرعون وأمره باللين معه فقال له ولأخيه هارون: {فقولا له قولا لينا} مع أن جرم فرعون أغلظ وأعظم من جرم أبي لهب؟! كيف يكون ذلك ومن شرع سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الأب لا يقتل بابنه قصاصا ولا يقام الرجم عليه، وإن خاصمه أبوه وهو كافر في الحرب فلا يقتله بل يدفعه عن نفسه حتى يقتله غيره! فكيف يليق برسولنا أن يشافه عمه بهذا التغليظ الشديد؟!

الجواب على ذلك من وجوه:

1.    أنه كان يصرف الناس عن رسول الله بقوله: إنه مجنون، والناس يصدقون قوله؛ إذ كان لرسول الله في محل الوالد فلا يتهمونه، فصار ذلك كالمانع من أداء الرسالة الواجبة إلى الخلق، فشافهه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك حتى عظم غضبه وأظهر العداوة الشديدة، فصار بسبب تلك العداوة متهما في قدحه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يقبل قوله فيه بعد ذلك.

2.    أن الحكمة في ذلك أن يرى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو كان يداهن أحدا في الدين ويسامحه فيه لكانت المداهنة والمسامحة مع عمه الذي هو قائم مقام أبيه من باب أولى، فلما لم تحصل هذه المداهنة معه انقطعت الأطماع وعلم كل أحد أنه لا يسامح أحدا في شيء يتعلق بالدين أصلا.

3.    إن كونه عمًّا يوجب أن تكون له الشفقة العظيمة على ابن أخيه، لكن لما انقلب الأمر وحصلت العداوة العظيمة فلا جرم استحق التغليظ العظيم. والفارق بينه وبين فرعون وأبي إبراهيم عليه السلام أن الأخيرين استمعا فأبيا وتركا وإن أغلظا بعد ذلك على الدعوة وأصحابها، غير أن عمه أبى أن يستمع أصلا ثم عادى ابن أخيه بخصوصه وأغلظ، فاستوجب التغليظ لذلك.

4.    أن أمر الله عز وجل لنبييه موسى وهارون باللين مع فرعون كان عند بداية دعوته حتى تكون أدعى للقبول، وكذلك أمر سيدنا إبراهيم مع أبيه، بخلافه مع أبي لهب فإنه أبى الاستماع من أصل وفجر في الخصومة فاستحق التغليظ، مع العلم بأن الرسول لاطفه بداية دعوته.

*قراءات:

اختلف القراء في هاء "لهب" فقرأها ابن كثير بإسكانها "لـهْب"، وحركها الباقـون بالفتح "لـهَب"، غير أنهم اتفقوا على أن الهاء في قولـه تعالى: {ذات لـهَب} في الآية الثالثة من السورة متحركة بالفتح من غير خلاف بينهم.

*مسألة:

هل يجوز الإكثار من قراءة سورة المسد مع ما فيها من الذم لعم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! وهل في ذلك تعيير وإساءة له صلى الله عليه وآله وسلم؟!

جوابها:

لا يأثم القارئ لسورة المسد وإن كان مكثرا، ولا يكون في قراءته لها مؤذيا له صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بينا من قبل كيف أن الله عز وجل ذم أبا سيدنا إبراهيم مع أنه أب لنبي، فلم تكن أبوته شافعة له فكذلك بالنسبة لعمه أبي لهب بل هي من باب أولى. نعم لو كان القارئ للسورة يقصد بقراءته لها تعيير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعمه ومنقصته به فإنه يكفر لا محالة بقصده التابع لقراءته لا لمجرد القراءة، فاستنقاص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جد عظيم، وعلى هذا يحمل -إن صح- ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من أنه قال: "من قرأ سورة تبت رجوت ألا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار" لكنه لا يصح، لذا فلا انشغال به، والله أعلم.

قالوا في تأويل قوله تعالى: {وتب}:

1.    أنه تأكيد للأول من قوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب}.

2.    أنه تبت يدا أبي لهب بما منعه الله تعالى من أذى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وتب بما له عند الله من أليم عقابه.

3.    أنه قد تب، فهو بمعنى الإخبار كقول الشاعر:

جزاني جزاه الله شر جزائه ** جزاء الكلاب العاويات وقد فعل

4.    يعني وتب ولد أبي لهب.

*مسألة:

ما السبب في أنه لم يقل: "قل تبت.." بينما قال في سورة الكافرون: {قل يا أيها الكافرون}؟

الجواب من وجوه:

1.    حتى لا يكون مشافها لعمه بالشتم لأن قرابة العمومة تقتضي رعاية الحرمة، فلذلك لم يقل له في سورة المسد: "قل" بينما أمره بذلك في سورة الكافرون فإن أولئك لم يكونوا أعمامه.

2.    أن الكفار في سورة الكافرون طعنوا في الله فقال الله تعالى له: أجب عنهم و{قل يا أيها الكافرون} فيعلمه الرد عليهم والدفاع عن جناب الحق، لكن لما كان الطعن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن الله تكفل بالرد عليهم دفاعا عن رسوله فأنزل هذه السورة يعلمنا بها الدفاع عن رسول الله، فلذلك لم يقل له فيها: "قل".

3.    أنه لم يقل في سورة المسد "قل" ليعلمه الإعراض عن السفهاء المعتدين الجاهلين كما في قوله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} وكما في قوله تعالى: {وأعرض عن الجاهلين}، فتكون السورة ردا من الله عليهم دفاعا عن رسوله، بينما هي في سورة الكافرون ردا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على باطلهم ورفضا منه لما يدعونه إليه من قبول دينهم فناسب أن يكون هو المتكلم، فلم يكن المقام مقام إعراض عن شتم كما هو في سورة المسد بل مقام نقاش وجدال في أمور الدين والدعوة، وقد أمر عليه الصلاة والسلام بالحكمة والموعظة والجدال الحسن عند الدعوة، قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} فناسب أن يكون الخطاب منه لهم.

قالوا في تأويل قوله تعالى: {ما أغنى عنه}:

1.    ما دفع عنه.

2.    ما نفعه.

قالوا في تأويل قوله تعالى: {ماله}:

1.    أمواله.

2.    أغنامه وماشيته.

3.    ما ورثه من أبيه من مال وهو ما يسمى بـ "التليد".

قالوا في تأويل قوله تعالى: {وما كسب}:

1.    رأس المال والأرباح.

2.    نسل أغنامه وماشيته ونتاجها.

3.    ما كسبه بنفسه من أموال وهو ما يسمى بـ "المكتسب".

4.    عمله الخبيث.

5.    ولده.

6.    عمله الذي ظن أنه منه على شيء.

قالوا في تأويل السين من قوله تعالى: {سيصلى}:

1.    أنها سين سوف.

2.    أنها سين الوعيد، بمعنى أنه يصيبه الوعيد لا محالة.

قالوا في تأويل يصلى من قوله تعالى: {سيصلى}:

1.    صلى النار أي حطبا ووقودا.

2.    أي تُصليه النار فتنضجه.

*فيكون على الوجه الأول صفة له في النار، وعلى الوجه الثاني صفة للنار، لكن هذا الثاني يتأتى على قراءة من بنى الفعل للمبني للمجهول {سيُصلى}، وهي قراءة شاذة لا يجوز التعبد بها تلاوة وإن جاز الأخذ بها في التفسير.

قالوا في تأويل قوله تعالى: {نارا ذات لهب}:

1.    ذات ارتفاع وقوة اشتعال.

2.    أن هذه الصفة تضارع وتشابه كنيته التي اختارها لنفسه فناسب أن يوعد بالعذاب من جنسها.

قالوا في تأويل قوله تعالى: {وامرأته}:

هي العوراء أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان قبحها الله، كانت فاجرة في خصومتها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إنها لتضع الشوك بيديها على رفعتها وشرفها في طريقه صلى الله عليه وآله وسلم لتؤذيه، وقيل بل كانت تجمع الحطب على غناها وشرفها لبخلها فعيرها الله بحمالة الحطب، وأيا كان فقد كانت ذميمة فاجرة كافرة وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم، قبحها الله وقبح زوجها وجعلهم في دركات جهنم على ما آذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

روي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت: "لما نزلت: {تبت يدا أبي لهب وتب} أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهر هو الحجر ملء الكف وقيل: هو الحجر مطلقا وهي تقول:

مذمما أبينا  **  ودينه قلينا  **  وأمره عصينا

ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في المسجد أي الحرم ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنها لن تراني"، وقرأ قرآنا اعتصم به، كما قال تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا}، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال: لا ورب البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها".

وقولها: "مذمما" تعني به محمدا، فانظر إلى هذه النفس الخبيثة واحمد الله على هداه. ولقد ماتت هذه الخسيسة ميتة تليق بها إذ كانت كما يروى- تحتطب في حبل من ليف تجعله في عنقها، فبينما هي ذات يوم حاملة للحزمة فقعدت على حجر لتستريح إذ أتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها خنقا بحبلها، وهذا كما قيل هو عذابها في الدنيا وبه فسر البعض قوله تعالى: {في جيدها حبل من مسد}. وأما زوجها الهالك فإنه مات بداء يسمى العدسة بعد وقعة بدر بسبع ليال، والعدسة قرحة تخرج بالبدن فتقتل صاحبها كانت العرب تهرب منها لكونها تعدي، حتى قيل إنه مكث أياما لم يدفن من خوفهم من عدواها، فانظر إلى انتقام الجبار لنبيه، واعلم أنه يمهل ولا يهمل، فاللهم ارحمنا.

*إعجاز:

قال الإمام القرطبي: "الحكم ببقاء أبي لهب وامرأته في النار مشروط ببقائهما على الكفر إلى الموافاة، فلما ماتا على الكفر صدق الإخبار عنهما، ففيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، فامرأته خنقها الله بحبلها، وأبو لهب رماه الله بالعدسة بعد وقعة بدر بسبع ليال بعد أن شجته أم الفضل".

*فائدة في التعريض:

في فعل سيدنا أبي بكر الصديق السابق من صرفه للعوراء نوع من التعريض كما يسميه العلماء، فهو لم يكذب عليها بل صدق في قوله وإن أوهمها جوابا لكلامها، فقوله: "لا ورب البيت ما هجاك" عنى به أن الله هو الذي هجاك وليس هو، وإن لم تفهم هي ذلك، وهناك رواية أخرى تصرح أنه قال: "لا ورب هذه البنية ما ينطق بالشعر ولا يفوه به" فكأنه نفى عن رسول الله قول الشعر ولم ينف عنه قول السورة التي فيها هجاؤها هي وزوجها ليدفع أذاها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله أعلم.

قالوا في تأويل قوله تعالى: {حمالة الحطب}:

1.    أنها كانت تحتطب الشوك فتلقيه في طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليدخل في قدمه.

*فإن قيل: إنها كانت من بيت العز فكيف يقال إنها حمالة الحطب؟

الجواب: لعلها كانت مع كثرة مالها خسيسة، أو كانت لشدة عداوتها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحمل بنفسها الشوك والحطب لتلقيه في طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تستعين في ذلك بأحد بل تفعله بنفسها.

2.    أنها كانت تعير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفقر وكانت تحطب فعيرت بأنها كانت تحطب.

3.    أنها كانت تحتطب الكلام وتمشي بالنميمة.

4.    أنه أراد ما حملته من الآثام في عداوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كالحطب في مصيره إلى النار.

*سؤالان وجوابهما:

س1: إن قيل: لِمَ لَمْ يكتف بقوله {وامرأته} بل وصفها بأنها حمالة الحطب؟

ج1: قيل: كان له امرأتان سواها فأراد الله تعالى ألا يظن ظان أنه أراد كل من كانت امرأة له، بل ليس المراد إلا هذه الواحدة.

س2: إذا كان ذكر النساء لا يليق بأهل الكرم والمروءة فكيف يليق ذكرها بكلام الله تعالى، ولا سيما امرأة العم؟

ج2: لما لم يُستبعد في امرأة نوح وامرأة لوط بسبب كفر تينك المرأتين مع أن زوجيهما نبيان، لم يُستبعد في امرأة كافرة زوجها رجل كافر من باب أولى.

*قراءات:

اختلف القراء في قوله تعالى: {حمالـة}، فقرأ عاصم بنصب {حمالـةَ} على الفتح، وقرأ باقي القراء برفعها {حمالـةُ}.

قالوا في تأويل قوله تعالى: {في جيدها}:

أي في عنقها.

قالوا في تأويل قوله تعالى: {حبل من مسد}:

1.    أنه سلسلة من حديد.

2.    أنه حبل من ليف النخل.

3.    أنه قلادة من ودع على وجه التعيير لها.

4.    أنه حبل من صوف.

5.    أنها حبال من شجر تنبت باليمن تسمى المسد وكانت تفتل.

6.    أنه حبل ذو ألوان من أحمر وأصفر تتزين به في جيدها ذكرت به على وجه التعيير أيضا.

7.    أنه قلادة من جوهر فاخر، قالت: لأنفقنها في عداوة محمد! ويكون ذلك عذابا في جيدها يوم القيامة.

8.    أنه إشارة إلى الخذلان، يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء كالمربوطة في جيدها بحبل من مسد.

9.    أنها لما حملت أوزار كفرها صارت كالحاملة لحطب نارها التي تصلى بها.

10.     هي حبال من شجر بمكة.

11.     حبل من نار في رقبتها.

12.     الحديد الذي يكون في البكرة.

13.     أنه العصا التي تكون في البكرة.

14.     أنه حبل جمع من أنواع مختلفة.

15.     هو ليف المقل وهو شجر الدوم أبيض مشهور، والمقل والدوم شجر تشبه النخلة في حالاتها.

16.     إنما كان خرزا في عنقها.

17.     إنما عبر عن قلادتها بحبل من مسد على جهة التفاؤل لها، وذكر تبرجها في هذا السعي الخبيث.

18.     أنها حبال من أوبار الإبل أو جلودها.

19.     أنها السلسلة المذكورة في قوله تعالى في سورة الحاقة: {ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه}، تدخل من فمها وتخرج من دبرها، ويلوى سائرها على جسدها، وقيل: يكون سائرها في عنقها وقد فتلت من حديد فتلا محكما.

*خاتمة:

هذا ختام  فتح الصمد في تفسير سورة المسد، والحمد لله على نعمائه والشكر له على جزيل امتنانه وعطائه، وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد، وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين..

وكتبه المحتاج إلى عفو الكريم المنان

أيوب بن عيسى بن رشدان

تم الفراغ منه يوم الأحد

25جمادى الآخر1426هـ

الموافق 31/7/2005م




(1) قال الإمام ابن منظور في لسان العرب بعد أن ساق الحديث [8/191]: "هذه كلمة تقولها العرب إذا صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما يغيرون عند الصباح، ويسمون يوم الغارة يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه يقول: قد غشينا العدو، وقيل إن المتقاتلين كانوا إذا جاء الليل يرجعون عن القتال فإذا عاد النهار عادوا، فكأنه يريد بقوله يا صباحاه: قد جاء وقت الصباح فتأهبوا للقتال."اهـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق